السيد كمال الحيدري
352
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
احتوى » . يؤيّد هذا النصّ ما سبقت الإشارة إليه من أنّ الاستواء على العرش هو لبيان اجتماع أزمّة التدابير الوجودية والكونية عند الله . ثمّ إنّ هذا الأمر الواحد المجتمع في العرش يكتسب في كلّ موضع الصيغة التي تحقّق الغاية المرجوّة منه بحسب ذلك الموضع التدبيرى . فالأمر الصادر من العرش يظهر عند التنزّل « 1 » في كلّ موضع بما يناسب ذلك الموضع .
--> ( 1 ) كثُر استخدام مصطلح « التنزّل » في هذا البحث . والنزول أو التنزّل على ضربين ، فمرّة يتمّ التعامل مع العلوّ والسفل على نحو مكانىّ . ومثاله أنّ هذا الكتاب كان موجوداً في مكان عالٍ ، ثمّ أخذه أحدهم ووضعه في مكان دانٍ . حركة الانتقال هذه من العلوّ إلى السفل يُطلق عليها الإنزال على نحو التجافي ، بحيث يكون الشئ في مكان ولا يكون في المكان الآخر . فعندما كان الكتاب في الموضع العالي كان السفل خالياً منه ، وعندما صار إلى الموضع السافل صار العلوّ خالياً منه . إلى هذا الاستعمال يشير قوله تعالى : ( تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ ) ( السجدة : 16 ) فعندما ينهض هؤلاء لا تبقى جنوبهم في المضجع ، بل تتجافى عنه وتتباعد . ثمّ ضرب آخر من الإنزال والتنزّل والتنزيل والنزول هو الذي يطلق عليه النزول على نحو التجلّى . أبرز خصوصية له أنّ الشئ إذا تنزّل لا يفقد وجوده في العلوّ ولا يفقد مرتبته الحضورية فيه . يمكن تقريب الحالة بمثال من النشاط العلمي للإنسان ، فإذا ما كانت عند الإنسان فكرة في ذهنه ، ثمّ عمد إلى كتابتها على الورق ، فإنّ هذه الفكرة تكون قد تنزّلت من مرتبة العقل وصارت في مرتبة الورق ، والعقل مرتبة من الوجود والورق مرتبة أخرى منه . بيدَ أنّ الفكرة هذه عندما نزلت من الذهن على الورق لم يفقد الإنسان علمه بها ، بل هي ما تزال تحافظ على وجودها في الذهن ، / / غاية ما هناك أنّها ظهرت في مرتبة أخرى من مراتب الوجود لكن من دون أن تفقد مرتبتها السابقة . طبيعي أنّ للفكرة في مرتبتها الوجودية أحكامها الخاصّة بها ، فهي في الذهن وجود مجرّد غير قابل للنقل والسرقة ، لكنّها وهى على الورق تنطبق عليها أحكام المادّة ، فتكون قابلة للانتقال والسرقة مثلًا . والفكرة هي هي ، وهى غيرها . فهي هي لأنّ المضمون واحد ، فما هو موجود في الذهن وما هو على الورق شئ واحد . وهى غيرها لأنّهما يختلفان في المرتبة الوجودية . يعبّر القرآن الكريم عن هذا الضرب من النزول والتنزّل ب « التجلّى » كما في قوله سبحانه : ( فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ ) ( الأعراف : 143 ) . هذا المعنى ينطبق على استعمالات القرآن في إنزال الكتاب ، إذ لا يعنى هذا الإنزال أنّ الكتاب فقد موضعه الأعلى عندما نزل إلى هذه الدُّنيا ، بل هو محافظ على موقعه ذاك في عين وجوده في عالمنا ، لكن مع حفظ المرتبة الوجودية لكلا الموضعين . هذا الكلام ينطبق بحذافيره على تنزّل الأمر من العرش ، ففي سياق هذا التنزّل لا تفقد الأمور موضعها في العرش ، بل تبقى لها مرتبتها الوجودية هناك ، وتبرز في الوقت ذاته في المواضع الأخرى بمرتبة وجودية أخرى .